عبد الوهاب الشعراني

32

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

المحمدية لتجني ثمرة ثوابها في الآخرة ، فإن لكل سنة سنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم درجة في الجنة لا تنال إلا بفعل تلك السنة ، ومن قال من المتهورين هذه سنة يجوز لنا تركها يقال له يوم القيامة وهذه درجة يجوز حرمانك منها صرح بذلك الإمام أبو القاسم بن قسي في كتابه المسمى « بخلع النعلين » . وقد بلغنا عن الشبلي رحمه اللّه أنه احتاج إلى سواك وقت الوضوء فلم يجده ، فبذل فيه نحو دينار حتى تسوك به ولم يتركه في وضوء ، فاستكثر بعض الناس بذل ذلك المال في سواك ، فقال إن الدنيا كلها لا تساوي عند اللّه جناح بعوضة ، فماذا يكون جوابي إذا قال لي لم تركت سنة نبيي ، ولم تبذل في تحصيلها ما خصك اللّه به من جناح البعوضة ؟ فأعجزه ومضى ، وأظنك يا أخي لو طلب منك صاحب السواك نصفا واحدا حتى يعطيه لك لتركت السواك وقدمت النصف وأنت مع ذلك تزعم أنك من أولياء اللّه تعالى ومن المقربين عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه إنها دعوى لا برهان عليها . وسيأتي ما يستفاد منه في الأحاديث أن قليل العمل مع الأدب خير من كثير العمل من غير أدب . وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي اللّه عنه يقول لقراء القرآن : إياكم والغيبة والتكلم بالكلام الفاحش ، ثم تتلون القرآن ، فإن حكم ذلك حكم من مس بألفاظ القرآن القذر ولا شك في كفره ا ه ، وهذا أمر قد عم غالب قراء القرآن ، فلا يكاد يسلم منه إلا القليل ، حتى قال الفضيل بن عياض وسفيان الثوري : قد صار القراء يتفكهون في هذا الزمان بالغيبة وتنقيص بعضهم بعضا ، خوفا أن يعلو شأن أقرانهم عليهم ويشتهرون بالعلم والزهد والورع دونهم وبعضهم يجعلها كالإدام في الطعام وهو أخفهم إثما . ورأيت شخصا من المجاورين يقرأ كل يوم ختمة وهو مع ذلك لا يكاد يذكر أحدا من المسلمين بخير ، إنما هو غيبة وازدراء فنهيته عن ذلك فتركهم واشتغل بغيبتي ، فلا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم ، فعظم يا أخي سنة نبيك ، واستغفر اللّه من استهانتك بتركها ، فإنك لو صرحت بالاستهانة كفرت وحكم الباطن عند اللّه تعالى في ذلك حكم الظاهر وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وروى البخاري وغيره واللفظ له مرفوعا : « لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك مع كلّ صلاة » وفي رواية : مسلم « عند كلّ صلاة » . ورواية النسائي وابن ماجة وابن حبان في « صحيحه » : « لأمرتهم بالسّواك مع الوضوء عند كلّ صلاة » . وفي رواية الإمام أحمد بإسناد جيد والبزار والطبراني : « لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة كلّما يتوضؤون » . وفي رواية لأبي يعلى وغيره : « لفرضت عليكم السّواك عند كلّ صلاة كما فرضت